الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

182

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

من تلك الألفاظ إلى أذهان معاصري النّبي صلى الله عليه وآله وسلم عند استعمالها من دون قرينة ، والتبادر علامة الحقيقة ؛ لأنّ فهم الأصحاب المعاني الجديدة من هذه الألفاظ المستعملة في كلمات الرسول صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام ممّا لا ريب فيه . وذلك لا يخلو من أحد وجوه ثلاثة : فإمّا أن يكون لوجود قرائن لفظيّة في البين ، أو لوجود قرائن حاليّة ، أو أنّه ناشٍ من ناحية الوضع ، ولا إشكال في أنّ لازم الأوّلين القول بأنّ جميع تلك القرائن ضاعت فلم تصل إلينا وهذا أمر مستبعد جدّاً ، فيتعيّن الأخير وهو المطلوب . نعم هاهنا سؤال ، وهو أنّ منشأ هذا التبادر ما هو ؟ فهل هو الوضع التعييني أو التعيّني ؟ وجوابه : إنّ الوضع التعييني يستلزم الالتزام بأنّ النّبي صلى الله عليه وآله كان يصرّح وينصّ بأنّي وضعت هذا لهذا ، وذاك لذاك ، وهذا أمر مستبعد جدّاً ؛ لأنّه لو كان لبان ونقل إلينا لتوفّر الدواعي على نقله ، فيتعيّن كون المنشأ الوضع التعيّني ، وحينئذٍ يقع البحث في زمان تحقّق هذا الوضع ، أيزمان صيرورة المعنى المجازي حقيقياً ؛ لأنّه يحتاج إلى كثرة الاستعمال ، فيقع السؤال عن أنّه هل يكفي عصر الرسول صلى الله عليه وآله لهذه الكثرة حتّى نلتزم بكونه زمان الوضع ، أو لا يكفي حتّى نلتزم بأنّ الوضع والتعيّن حصل في عصر المعصومين عليهم السلام . هذا إذا كان نوع الوضع منحصراً في القسمين المذكورين . تنبيه : حول الوضع التعييني العملي والمحقّق الخراساني رحمه الله أبدع هنا قسماً ثالثاً يمكن تسميته بالوضع التعييني العملي فإنّه قال : « ربّما يكون الإنسان بصدد الوضع من دون أن يصرّح به فلا يقول : « وضعت هذا لهذا » بل يستعمل اللفظ عملًا في معناه بقصد إنشاء الوضع ، فيقول مثلًا : « ائتني بالحسن » وهو يريد به وضع لفظ الحسن لهذا المولود ، من دون أن ينصب قرينة على المجاز بل إنّما ينصب القرينة على كونه بصدد الوضع ، ولعلّه من